فصل: الفصل الثاني عشر في العقل التجريبي وكيفية حدوثه:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ ابن خلدون المسمى بـ «العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر» (نسخة منقحة)



.الفصل الحادي عشر: في أن عالم الحوادث الفعلية إنما يتم بالفكر:

اعلم أن عالم الكائنات يشتمل على ذوات محضة كالعناصر وآثارها والمكونات الثلاثة عنها التي هي المعدن والنبات والحيوان وهذه كلها متعلقات القدرة الإلهية وعلى أفعال صادرة عن الحيوانات واقعة بمقصودها متعلقة بالقدرة التي جعل الله لها عليها: فمنها منتظم مرتب وهي الأفعال البشرية ومنها غير منتظم ولا مرتب وهي أفعال الحيوانات غير البشر وذلك الفكر يدرك الترتيب بين الحوادث بالطبع أو بالوضع فإذا قصد إيجاد شيء من الأشياء فلأجل الترتيب بين الحوادث لابد من التفطن بسببه أو علته أو شرطه وهي على الجملة مبادئه إذ لا يوجد إلا ثانيا عنها ولا يمكن إيقاع المتقدم متأخرا ولا المتأخر متقدما وذلك المبدأ قد يكون له مبدأ آخر من تلك المبادئ لا يوجد إلا متأخرا عنه وقد يرتقي ذلك أو ينتهي فإذا انتهى إلى آخر المبادىء في مرتبتين أو ثلاث أو أزيد وشرع في العمل الذي يوجد به ذلك الشيء بدأ بالمبدأ الأخير الذي انتهى إليه الفكر فكان أول عمله ثم تابع ما بعده إلى آخر المسببات التي كانت أول فكرته مثلا: لو فكر في إيجاد سقف يكنه انتقل بذهنه إلى لحائط الذي يدعمه ثم إلى الأساس الذي يقف عليه الحائط فهو آخر الفكر ثم يبدأ في العمل بالأساس ثم بالحائط ثم بالسقف وهو آخر العمل.
وهذا معنى قولهم: أول العمل آخر الفكرة وأول الفكرة آخر العمل فلا يتم فعل الإنسان في الخارج إلا بالفكر في هذه المرتبات لتوقف بعضها على بعض ثم يشرع في فعلها وأول هذا الفكر هو المسبب الأخير وهو آخرها في العمل وأولها في العمل هو المسبب الأول وهو آخرها في الفكر ولأجل العثور على هذا الترتيب يحصل الإنتظام في الأفعال البشرية.
وأما الأفعال الحيوانية لغير البشر فليس فيها انتظام لعدم الفكر الذي يعثر به الفاعل علي الترتيب فيما يفعل إذ الحيوانات إنما تدرك بالحواس ومدركاتها متفرقة خلية من الربط لأنة لا يكون إلا بالفكر ولما كانت الحواس المعتبرة في عالم الكائنات هي المنتظمة وغير المنتظمة إنما هيى تبع لها اندرجت حينئذ أفعال الحيوانات فيها فكانت مسخرة للبشر واستولت أفعال البشر على عالم الحوادث بما فيه فكان كله في طاعته وتسخره وهذا معنى الاستحلاف المشار إليه في قوله تعالى: {إني جاعل في الأرض خليفة} فهذا الفكر هو الخاصة البشرية التي تميز بها البشر عن غيره من الحيوان وعلى قدر حصول الأسباب والمسببات في الفكر مرتبة تكون إنسانيتة فمن الناس من تتوالى له السببية في مرتبتين أو ثلاث ومنهم من لا يتجاوزها ومنهم من ينتهي إلى خمس أو ست فتكون إنسانيته أعلى واعتبر ذلك بلاعب الشطرنج: فإن في اللاعبين من يتصور الثلاث حركات والخمس الذي ترتيبها وضعي ومنهم من يقصر عن ذلك لقصور ذهنه وإن كان هذا المثال غير مطابق لأن لعب الشطرنج بالملكة ومعرفة الأسباب والمسببات بالطبع لكنه مثال يحتذي به الناظر في تعقل ما يورد عليه من القواعد والله خلق الإنسان وفضله على كثير ممن خلق تفضيلا.

.الفصل الثاني عشر في العقل التجريبي وكيفية حدوثه:

إنك تسمع في كتب الحكماء قولهم أن الإنسان هو مدني الطبع يذكرونه في إثبات النبوات وغيرها والنسبة فيه إلى المدينة وهي عندهم كناية عن الاجتماع البشري ومعنى هذا القول أنة لا تمكن حياة المنفرد من البشر ولا يتم وجوده إلا مع أبناء جنسه وذلك لما هو عليه من العجز عن استكمال وجوده وحياته فهو محتاج إلى المعاونة في جميع حاجاته أبدا بطبعه وتلك المعاونة لابد فيها من المفاوضة أولا ثم المشاركة وما بعدها وربما تفضي المعاملة عند اتحاد الأعراض إلى المنازعة والمشاجرة فتنشأ المنافرة والمؤالفة والصداقة والعداوة ويؤول إلى الحرب والسلم بين الأمم والقبائل وليس ذلك على أي وجه اتفق كما بين الهمل من الحيوانات بل للبشر يما جعل الله فيهم من انتظام الأفعال وترتيبها بالفكر كما تقدم جعل منتظما فيهم ويسرهم لإيقاعه على وجوه سياسية وقوانين حكمية ينكبون فيها عن المفاسد إلى المصالح وعن الحسن إلى القبيح بعد أن يميزوا القبائح والمفسدة بما ينشأ عن الفعل من ذلك عن تجربة صحيحة وعوائد معروفة بينهم فيفارقون الهمل من الحيوان وتظهر عليهم نتيجة الفكر في انتظام الأفعال وبعدها عن المفاسد.
هذه المعاني التي يحصل بها ذلك لا تبعد عن الحس كل البعد ولا يتعمق فيها الناظر بل كلها تدرك بالتجربة وبها يستفاد لأنها معان جزئية تتعلق بالمحسوسات وصدقها وكذبها يظهر قريبا في الواقع فيستفيد طالبها حصول العلم بها من ذلك ويستفيد كل واحد من البشر القدر الذي يسر له منها مقتنصا له بالتجربة بين الواقع في معاملة أبناء جنسه حتى يتعين له ما يجب وينبغي فعلا وتركا وتحصل في ملابسة الملكة في معاملة أبناء جنسه ومن تتبع ذلك سائر عمره حصل له العثور على كل قضية ولابد بما تسعه التجربة من الزمن وقد يسهل الله على كثير من البشر تحصيل ذلك في أقرب زمن التجربة إذ قلد فيها الآباء والمشيخة والأكابر ولقن عنهم ووعى تعليمهم فيستغني عن طول المعانات في تتبع الوقائع واقتناص هذا المعنى من بينها ومن فقد العلم في ذلك والتقليد فيه أو أعرض عن حسن استماعه واتباعه طال عناؤة في التأديب بذلك فيجري في غير مألوف ويدركها على غير نسبة فتوجد آدابه وفعاملاته سيئة الأوضاع بادية الخلل ويفسد حاله في معاشه بين أبناء جنسه وهذا معنى القول المشهور: من لم يؤدبه والده أدبه الزمان أي من لم يلقن الآداب في معاملة البشر من والديه وفي معناهما المشيخة والأكابر ويتعلم ذلك منهم رجع إلى تعلمه بالطبع من الواقعات على توالي الأيام فيكون الزمان معلمه ومؤدبة لضرورة ذلك بضرورة المعاونة التي في طبعه.
وهذا هو العقل التجريبي وهو يحصل بعد العقل التمييزي الذي تقع به الأفعال كما بيناه وبعد هذين مرتبة العقل النظري الذي تكفل يتفسيره أهل العلوم فلا تحتاج إلى تفسيره في هذا الكتاب والله {وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون}.